محمد ابو زهره
25
خاتم النبيين ( ص )
ثم توالت بعد ذلك المجمع الذي مال بالمسيحية عن معناها مجامع أخري ، وأول مجمع عام انعقد بعد ذلك كان المجمع القسطنطينى الأول سنة 381 ميلادية وفيه أضيفت إلى مناصب الألوهية روح القدس لتتم عناصر الأفلاطونية الحديثة التي أشرنا إليها انفا . ولكن يظهر أن ألوهية المسيح التي قررها مجمع نيقية لم تكن قد استقرت في الأذهان ، فقد جاء من بعد ذلك نسطورس ، واعتقد أن المسيح ابنا للإله بالحقيقة ، إنما البنوة مجازية ، إذ هو ابن بالنعمة والمحبة ، لا بالألوهية ، فاجتمع مجمع أفسس الأول سنة 431 ، ليبطل قوله ، ويكفروه كشأنهم في كل من يجهر برأي . توالت من بعد ذلك الخلافات المفرقة ، فمنهم من قرر أن مريم ولدت المسيح الإنسان ثم فاضت عليه البنوة الإلهية التي هي اللاهوت ، فيقولون أن في المسيح صفتين هما اللاهوت والناسوت ، أو الإنسان والإله ، والابن هو مجموع الاثنين ، وهو الأقنوم . والآخرون يقولون إنه طبيعة واحدة تجسد فيها العنصر اللاهوتي ، ومريم ولدت الناسوت واللاهوت معا ، فقد ولدت الإنسان والإله . وقد اعتنقت الكنيسة المصرية واحدة الطبيعتين وولادة مريم لهما معا . وكان الخلاف الشديد بينهما ، وكان النزاع وكان الجدل ، وكل جدل يحل الاعتقاد ، ويضعف قوته ، ويخضد شوكته ، ولا يجعل له قوة دافعة مانعة . وقد اشتد ذلك كله في القرن الخامس والسادس . وبذلك نقول مقررين أمرين : أولهما - أن القرن السادس كانت العقائد فيه غير قارة في النفوس ، والآراء تخلق وتعتنق ثم يتعصب لها ، وليس التعصب دليلا على قوة الاعتقاد ، بل التعصب دليل على الانحراف النفسي ، والنظر الجانبي ، وكذلك كان تعصب الملكانيين ضد اليعقوبيين ، إذ كان في جملته إدراكا جانبيا منحرفا . العصبية هي المسيطرة فيه ، وليست قوة اليقين هي المسيطرة . ثانيهما - أن النفوس في القرن السادس كانت مهيأة للعقيدة الصحيحة تعتنقها إذا ظهرت بيناتها ، وقام الاستدلال المنطقي عليها ، وخصوصا أن الأفكار المرددة كانت أوهاما ، أو أقوالا غير متميزة تميزا عقليا ، ولم تكن قد استقرت استقرارا يجعل التعصب لها يشبه الطائفية ، كما حدث من بعد بين النصاري ، وبين اليهود .